ما هي شروط الأمن؟

 



قال تعالى في سورة البقرة، آية 126: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
وفي سورة إبراهيم، آية 35، قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.

إذا تأملنا في الآيتين، سنجد أن صيغة الدعاء مختلفة بينهما؛ ففي الأولى، دعا نبي الله إبراهيم بالرزق بعد الأمن، بينما في الثانية، عطف على طلب الأمن طلبَ تجنّب عبادة الأصنام. فما الحكمة في ذلك؟

يبدو، والله أعلم، أن هناك دعاء على مرحلتين. فالسياق القرآني للدعاء الأول يظهر أن نبي الله دعا بالأمن مقترنًا بالرزق قبل الشروع في رفع قواعد البيت، بينما في الدعاء الثاني جاء الطلب بعد اكتمال البناء.

بلغة علم الاجتماع، كانت المرحلة الأولى قبل بناء الكيان الاجتماعي، إذ كان المكان صحراء خالية من محفزات الاستقرار، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.

ثم أجْرَى اللهُ بئرَ زمزم، ونبت الزرع، وبدأ الناس ينتقلون إلى هذا التجمع الجديد، مستقطَبين بوجود الثمرات والبيت المحرم. ومع نمو التجمع الجديد، تغيرت شروط الأمن، وأصبحت الحاجة إلى وحدة العقيدة وسياسة البلد ضرورية، فجاء الدعاء الثاني متضمنًا طلب تجنّب أبناء إبراهيم ومن يأتي بعدهم عبادة الأصنام.

أما مفهوم الأصنام، فكان في ذلك الزمان يتمثل في الحجارة التي تُعبد من دون الله، لكن الذي «يصنع» الأصنام هو من يتحكم في المال وسياسة البلد.

ولذا، حينما اعترض عدي بن حاتم عندما وفد قُبيل إسلامه على النبي صلى الله عليه وسلم وسَمِع قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال عدي: لسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فردَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟"، فقال عدي: بلى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ".

إذًا، هذه هي فلسفة عبادة الأصنام، فهي ليست مجرد «انحناءة بليدة» أمام أصنام البشر أو الحجر، بل إن من «يصنع» الأصنام يصنع معها معاييرَ تخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها. ومن يرضى بمعايير الظالمين والمستكبرين ويعبدها، فهو مهدَّد في أمنه، سواء عاجلًا أم آجلًا، سواء أكل كثيرًا أم بات طاويًا.

وأخيرًا، جاءت كلمة "بلد" نكرة في الآية الأولى: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، ومعرفة في الآية الثانية: ﴿هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، في إشارة إلى ما سبق، مما يؤكد أن البنية الاجتماعية لا تستقيم إلا بالأمن، وأن أمن البلد لا يتحقق إلا بالتحرر من عبادة البشر، سواء كان ذلك على المستوى العقدي أو السياسي.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الطوفان .. عنوان المستقبل

إشكاليات تنظيم الإضراب .. الطبيعة القانونية لحق الإضراب

إذا صوتت فليس لك حق الشكوى !