الطوفان .. عنوان المستقبل
يُقدّم التحقيق الأخير لتامر المسحال، الذي بثته قناة الجزيرة قبل أيام، رؤية شاملة لفهم دوافع وأهداف العملية النوعية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في غزة واختارت لها اسمًا لافتًا وشعارًا عمليًا : "طوفان الأقصى". ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة لتحليل الاستراتيجيات المعتمدة في العملية إذ تعكس توجها لمستقبل الأمة في صراعها مع القوى المستكبرة في العالم، التي توظف الصهيونية المتحررة من كل ضوابط أخلاقية والتزامات دولية.
نعم، أوضحت قيادات المقاومة في غزة خطتها الاستراتيجية وبعضًا من عناصرها التكتيكية التي باغتت بها العدو ووجهت إليه ضربة استباقية موجعة، وهي العملية التي تشكل تطورًا كبيرًا في المبادرة والإيذاء والردع.
لكن الأهم من كل ذلك أنها شكلت عنصرا مُحدِّدًا في معادلة الدفاع والصراع ينبغي على المقاومة أن تعمل بنفس الذكاء على تثبيته في المرحلة القادمة لكي لا تتقهقر المعادلة بسبب متغيرات أخرى. وذلك كما تشير إليه نظرية تأثير الترس الأحادي الاتجاه (Ratchet Effect, R. Higgs)، وهو ما ستسعى إليه الحكومات الإسرائيلية في علاقتها مع مواطنيها من جهة، ومع المقاومة من جهة أخرى.
بكل تأكيد، يُعدّ البُعد العسكري في الصراع عنصرًا بالغ الأهمية، لكنه ليس الوحيد في المعادلة التي ارتكزت أيضا على بُعدٍ آخر لا يقلّ أهمية عن الاستراتيجية العسكرية، خاصة عندما يكون الصراع مع عدو منفلت من كل الضوابط الأخلاقيات والإنسانية.
يمكننا فهم هذا البعد الآخر من خلال عبارة قالها أحد المقاومين أثناء وقوفه على إحدى سيارات المقاومة التي كانت تجوب بين الحشود الغزاوية في بداية الصفقة الأخيرة، قال وهو ينظر إلى الحشود: "مفتاح النصر هو ثباتكم في الشمال". هنا يظهر المفتاح الاجتماعي في المعادلة.
وهذا المفتاح هو العنصر الغائب أو المؤجل في معظم التجارب التحررية المعاصرة، وهو أكثر أهمية من كل الإعدادات المسلحة، والأنفاق الذكية، والقيادات المُضحيّة. أن يقدم الشعب آلاف الأسر والعوائل قربانا للحرية، وأن يصبر على الموت قصفًا وجوعًا ومرضًا، ثم يفرح بمقاومته التي لم تحم نفسها فحسب، بل حمت أيضا أسرى العدو ونجحت في فرض نهاية مشرفة للحرب ... وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وقبل أن تشبع البطون الجائعة، بدأ طوفان العودة الجماعية إلى الأرض المباركة في مشهد نادر قلّ نظيره في التاريخ القديم والحديث.
في التاريخ السياسي للإسلام، كان الحكام والعلماء يهابون العامة عندما تدخل في معترك الخلافات السياسية والاجتماعية، حتى تَرسخ في التصورات السياسية مفهوم "الغوغاء"، الذي يعود أَصله اللغوي إلى الجَراد حين يَخِفُّ للطَّيران، ثم استعير للدلالة على "السَّفِلةِ" من الناسِ والمُتَسَرِّعين إلى الشرِّ. كما قد يُشتَق من مصطلح الغَوْغاءِ معاني الصوتِ والجَلَبةِ لكثرة لَغَطِهم وصِياحِهِم.
ونظرا لخطورتهم، نُسِب إلى الإمام علي قولٌ في نهج البلاغة يُعرّف العامة بأنهم "إذا اجتمعوا ضرّوا، وإذا تفرقوا نَفعوا". لكن الحقيقة أن الإمام علي، كرم الله وجهه، كان يجلس إلى العامة كل يوم بعد صلاة الصبح يعلمهم ويربيهم على الرجولة والإيمان، وترك في حقهم شعار مختلف، إذ قال في تعريفهم : ”هم الذين إذا اجتمعوا غَلبوا، وإذا تفرقوا لم يُعرفوا“. (تفسير السمعاني)
وهكذا، ابتعدت الحركات التحررية عن حاضنتها الشعبية، خوفا من مصدر الغلبة، وبتأثير من فقهاء السلاطين الذين حرصوا على تفريق الجموع لمنع تأثيرها في عمليات الإصلاح والتغيير. ونادرًا ما يجمع القدر بين حركة تحررية، ومقاومة صادقة تقدم قيادتها التاريخية في الصفوف الأمامية لقوافل الشهداء، وشعبٍ حاضن ومستعد لكل أنواع البلاء والتضحيات، ومتمسكٍ بأرضه بنفس القوة التي يَعضّ بها على مشروعه التحرري.
وهذا، في نظري، هو الدرس الأهم الذي يضعه القدر أمام الأمة، لتستعد للمستقبل الذي بدأت تتضح ملامحه الكبرى وملاحمه الموعودة. ولا ملاحم بدون طوفان .. والطوفان الحقيقي هو الشعوب التي تستعد تِباعًا لاستعادة سيادتها على أرضها وامتلاك حقها في تقرير مصيرها، تاريخيا وعنويا وماديا.

Commentaires
Enregistrer un commentaire